منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب
مناضلون بلا عنوان
مناضلون في أيّ مكان
نكتب سير الأبطال للأطفال
نحلم بالورد والخبز والزيت
وكتب الحب والنار
ورسم العصافير والتذكار
وعشق المطر والأزهار
مناضلون مناضلون
ماالذي يحوِّل الكفّ قذيفة
والقلب ترابا ورغيفا
ما الذي يجعل الضلوع خنادق والكلمات بنادق
غير حزن الكادحين
مناضلون مناضلون
إننا نسير نسير...لنفك قيد الوطن الأسير
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
نوفمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930   

اليومية اليومية

التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني




التَّحليل النَّفسي للفكر الأسطوري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التَّحليل النَّفسي للفكر الأسطوري

مُساهمة  Admin في الخميس نوفمبر 17, 2016 10:26 am

إذا ما تساءلنا عن الشَّيء الَّذي يريده الإنسان؟ إنَّه يطمح نحو السَّعادة. هذه السَّعادة هي ظاهرة عرضية مرتبطة بإشباع حاجات بلغت درجة كبيرة من التَّوتر، أمَّا التَّعاسة فهي تحيط بنا من كلّ صوب. إنّها مأساة العيش في المجتمع في كلّ أعرافه و قيوده. وقد يصاب الإنسان بالعصاب، لأنّه لا يستطيع تحمل التَّخلي المفروض عليه من المجتمع باسم الثّقافة، فالإنسان يشعر دائماً بخيبة أمل في عالم متشابك معقد سيطرت عليه التّقنية، والقيود والتّحريات الاجتماعَّية. وهو يعرف بوضوح يكثر أو يقل، أنّه لا يمكن العثور على الجنّة المفقودة، وأنّه مُرغم على التّعايش مع اللايقين والمخاطر، وأنّه يتوجّب عليه الاعتماد على جهوده الخاصَّة، وأنّ التَّطور الكامل لقدراته يمكن أن تمنحه شيئاً ما من القوَّة والجرأة، وهكذا هو ممزق بين ميلين منذ لحظة ولادته، أحدهما هو الخروج للضَّوء، والآخر هو العودة للرَّحم، أحدهما للمغامرة والآخر لليقين، أحدهما للمجازفة بالاستقلال والأخر للحماية والتَّبعيَّة 1.

وتؤكّد العادات والتَّقاليد الشَّعبيَّة واللاَّشعور الفردي والجماعي، جميعها أنّ الإنسان ابن طفولته، وأنّه دائم الحنين لإحياء هذه الطفولة فيه، وأنّ جذور الثَّقافة ينبغي البحث عنها في طفولة الإنسان، وطفولة المجتمعات الإنسانيّة. وأنّ علاقة الطّفل بأمّه هي أقوى العلاقات، وهي أساس كلّ اجتماع إنساني لاحق، وأنّ هذه العلاقة تفرضها بيولوجيا الإنسان وتكوينه التشريحي. وتتطلَّب الحضارة الحدّ من الحريَّة واكتساب النّظام، كما تتطلَّب الحضارة كبت النَّزوات الجنسيَّة ونكرانها، هذا النّكران الثَّقافي يحرّك ميدان العلاقات الاجتماعيّة، وهو أيضاً السَّبب للنَّزعة العدوانيَّة الدَّائمة.

إنَّ البشريَّة لا تستطيع، في عصور الضّعف والجهل الَّتي اجتازتها، تحقيق التَّخلي عن الغرائز (هذا التّخلي الضَّروري للحياة المشتركة بين النَّاس) إلاّ بفضل قوى عاطفية خالصة، وكثير من النَّاس، لا يتبنى تقنية محدَّدة ومطلوبة بحدّ ذاتها لحماية أنفسهم من الألم أو لنشدان السَّعادة، يعيشون كما يستطيعون وفق مزاجهم الخاصّ، ويصطدمون، مثل كلّ منَّا بعقبات كثيرة تجعلهم يتألّمون، حينذاك، يتّجهون وبشكل طبيعي، نحو نشاطات قادرة على أن تزوّدهم بمحول تعويضي، أو بتعويض عن الآلام الَّتي تنزلها بهم الحياة، والتَّعويض يشمل كلّ الأنظمة الرُّوحيَّة والفنيَّة الفكريَّة، الَّتي تزودهم ببعض مكاسب المتعة غير الجسديَّة، دون أن تبعد الفرد عن النّشاطات الاجتماعيَّة 2. ومن بين أفكار فرويد الَّتي تبدو ذات أهميّة خاصَّة في مجال العلوم الاجتماعيَّة فكرة (عودة المكبوت)، إذ نجد أنَّ المجتمع لا يستطيع أن يشتمل فقط على نظام من الضَّوابط ومجموعة من النَّواهي، وكي يتمكَّن من القيام بمهامه، يجب أن يسمح للفرد إيجاد أقنية تصريف لهذه النّزوات3.

لقد جاء فرويد بنظرة مزدوجة تجاه عصر العقل، فهو وإن كان من أشدّ مؤيّدي العقل في العصر الحديث، عندما أكّد أنَّ العقل هو أثمن وأخصّ قوّة تميّز الإنسان. إلاَّ أنَّه أكّد من جهة أخرى، على أنَّ العقل عرضة لتأثير العواطف المشوّهة له، وفهم عواطف الإنسان هو الشَّيء الوحيد الَّذي يمكن أن يحرّر عقله لأداء وظيفته على نحو سليم، وبذلك يكون قد كشف عن قوّة العقل الإنساني وضعفه على السّواء، وجعل من هذه الجملة القائلة بأنَّ الحقيقة هي الَّتي ستحرّرك، المبدأ الهادي في فنّ جديد للعلاج النّفسي، حيث أنَّ المرض العقلي أو النَّفسي لا يمكن أن يكشف بمنأى عن المشكلات الأخلاقيَّة 4. ومن هنا يشدّد فرويد على أهميَّة الحياة العاطفيَّة للجماعة.

وتتضمَّن نظريته افتراضاً مفاده أنَّ كلّ الجماعات تتشابه في ديناميتها، والأفراد ينقلون اتّجاهاتهم النَّاشئة في الحياة الأسريَّة إلى المواقف الجماعيّة، وهو لذلك يدخل القوى الليبيديَّة، كقوى عاطفية جاذبة بين الأفراد، كما يشدّد على عمليّة التَّماهي، ودور القائد، ومثال الأنا، والتَّجاذب العاطفيّ، ومركّب أوديب 5.

************

فالكبت والإكراه، أو التَّقييد والتَّعنيف والتَّجريح، من أكبر العوامل الَّتي تقلقل وتبعث التَّوتر، هنا قد يظهر النُّكوص على شكل رجوع في الفكر والسُّلوك إلى مرحلة سابقة، إلى التَّجربة الأولى، إلى مراحل الطُّفولة في الأمَّة، أو التَّاريخ الفردي للشَّخصيَّة، ومن اليسير جدّاً ملاحظة النّكوص في سلوكيات الأسلاف أو طرائقهم الَّتي نجحت، وأفكارهم الَّتي وفَّرت لهم التَّكيُّف النَّاجح والمعافاة والإسهام في صنع الحضارة البشريَّة 6.

ولا بدّ التَّمييز هنا بين الحرمان الَّذي يصيب النَّاس جميعاً، والحرمان الَّذي لا يصيب النَّاس جميعاً، وإنّما بعض الفئات أو الأفراد أو الطَّبقات فقط، ضروب الحرمان بشكلها الأوَّل هي الأقدم عهداً، وبفعل أشكال الحظر الَّتي تمخضَّت عن هذه الضُّروب من الحرمان منذ آلاف السّنين، شرعت الحضارة تنأى عن الحالة الحيوانيَّة البدائيَّة، ولشدّ ما يدهشنا أن نعرف أنَّ تلك الضُّروب من الحرمان لم تفقد شيئاً من قوّتها، وأنّها لا تزال تشكل حتَّى الآن نواة العداء للثَّقافة. فالرَّغبات الغريزيَّة تعاود الولادة مع كلّ طفل، وثمَّة طبقة بكاملها من البشر من المصابين بالأمراض العصبيَّة تردّ على تلك الضُّروب البدائيَّة من الحرمان بالنُّفور من الحياة الاجتماعيَّة، هذه الرَّغبات الغريزيَّة، هي رغبات حبّ المحارم، وأكل لحوم البشر، والقتل 7، رغبات عبّرت عنها بشكلٍ واضح الأساطير البشريَّة، الَّتي تتكلَّم عن زواج الآلهة من المحارم، وتعطشها الدَّائم للدّماء والقتل والانتقام، وأكل التَّضحيات البشريّة ثمَّ الحيوانيَّة. إنَّ الشُّعور النرجسي بالارتياح والرّضا المتولّد عن المثل الأعلى الثَّقافي، ممثلاً بالأساطير الاجتماعيَّة، وملاحم أبطاله، هو بالأصل واحداً من القوى الَّتي توازن وتعوض عن عداء الحضارة داخل الجماعة الثَّقافيَّة بالذَّات. 8

ونحن نجد أنَّ الحيلة العقليَّة الأبرز هي تلك الَّتي تدفع إلى الانطواء على الذَّات الثّقافية وأسطرتها، بالعودة إليها للاحتماء واستنكاراً للواقع، فكأن المثقَّف يقفل وحده حدوده الثَّقافيَّة، ويقبع داخلها، مُسقطاً على ثقافته كلّ الحسنات، وعلى الثَّقافة المهاجمة كلّ الشَّائبات، فيقع في عبادة الثَّقافة الخاصَّة، في النَّرجسيَّة الثَّقافيَّة، في أسطورته ذاتيَّة المركز، وإذ يتمسَّك بما عنده من أنماط فكريَّة وسلوكيَّة، ويحتمي بماضيه وتجاربه فيذوب بجماعته، فإنّه يوجه بالتَّالي عدائيته على الآخرين 9.

************

ومن خلال تحليلنا النّفسي لنماذج الأساطير عند الشُّعوب في مختلف الحضارات، نجد أنَّها تمثّل ردّات فعل أو استجابات مؤسسَة على النّزعات الطُّفوليَّة. إذ يؤكّد فرويد أنّ المؤمن يحمي إلى أقصى درجة، نفسه ضدّ خطر بعض الآلام العصابيَّة، إذ يخلّصه العصاب الجماعي من حتميّة تشكّل عصابه الفردي. فالأسطورة لا تكون عند غالبيّة الشُّعوب شيئاً جامداً، إنَّها واقع منفتح يتكيّف مع التَّنوع المتقلّب للأوضاع الاجتماعيَّة، ويحتفظ مع العالم الَّذي يماثله، عالم الأحلام، بمجموعة من المتغيّرات، في الاتّجاهين، من جهة، يكمل الحلم الأسطورة الاتنيّة، يتذكّرها، يجعل بعض أجزائها فرديَّة، ومن جهة أخرى، تضمُّ الأسطورة أجزاءً من الحلم، مروية، وذلك بشكل سهل لا سيّما وأنَّها في مضمونها، متجانسة، لإغناء الأسطورة الجماعيَّة، وحتَّى أحياناً لتوجيهها نحو اتّجاهات جديدة. وتنمو الأساطير بواسطة إضافات متتالية، وتتحوَّل فيها رموز اللّيبيدو إلى رموز اجتماعيَّة، وإذ يتمّ ذلك، تميل إلى تبديل مهمتها، مذ ذاك يصبح الكلام عن اللاَّوعي كلاماً عن اللّحمة الجماعيَّة. ومع عدم مقدرتها على إدراك ذاتها، من جهة اتّصالها مع جماعة تامَّة، بالرُّجوع إلى " هو " فردي، فلا يمكن فهمها إلاَّ بالرُّجوع إلى القضية الاجتماعيَّة، لكن بالطّبع ستحتفظ دائماً، حتّى في استعمالها الجديد، بآثار واضحة نتيجة لانتزاعها مكان اللّيبيدو 10.

إنّ الأسطورة لا تروي لنا الأصل في نشأتها، إذ هي متواجدة كنتاج للفكر الإنساني المتأصّل في بعض أشكال العلاقات بين النَّاس والعالم، حيث ترسي علاقاتها في مستويات محدّدة، وحيث اضطراراً، فإنَّ أناساً وليس آلهة، اقتُرحوا كنماذج للعمل الوسائطي للأجيال القادمة، فالأسطورة ضروريَّة للمجتمع، كما الحلم ضروري للفرد. وقد اُعتبرت الأسطورة عادة، بمثابة المطيّة للمقدَّس، إذ الارتباط الوظيفي بين الأساطير والطُّقوس، الَّتي هي وسيلة الإنسان للتَّواصل مع المقدَّس، والولوج باتّجاه امتلاك قوَّته. وتنبع الأساطير من منظور بنيوي، من ذلك النّظام الرَّمزي الَّذي يعد أكثر عمقاً من الواقعي والخيالي 11. فالفكر الأسطوري يبني قصوراً أيديولوجيّة على أنقاض خطاب اجتماعي قديم، إذ يستعمل مخلّفات وحطام أحداث، وبقايا وأجزاء أدلَّة أحفوريَّة من تاريخ الفرد والجماعة، إنَّه التَّعبير الأكثر عمقاً عن هواجس الإنسان ومشاعره ونظرته النَّفسيَّة للعالم متأثّراً ومؤثّراً.

ومن المهام الأساسيَّة للأسطورة تقديم إجابات للإنسان عن ذلك التَّناقض بين الطَّبيعة والثَّقافة، الَّذي تكشفه تجربته وحدسه الأوَّل، لذلك فإنَّ للأسطورة وظيفة اجتماعيَّة توازي وظيفتها النَّفسيَّة، فمن منظور أيّة جماعة منظمة تريد البقاء، لا بدّ من إلهام يشحن أعضاؤها بطاقة النَّرجسيَّة، إذ يعتمد بقاء أيَّة جماعة إلى حدّ مَّا على حقيقة اعتقاد أعضائها بأهمّيتها بقدر أهميّة حياتهم هم أو أكثر، بالإضافة إلى اعتقادهم بأخلاقيتها، أو حتَّى تفوقها مقارنة بالآخرين. دون تركيز نرجسي كهذا لدى الجماعة، ستتناقص الطَّاقة الضَّروريَّة لخدمة الجماعة، أو حتَّى التَّضحية في سبيلها إلى حدّ كبير 12. إذ تفسر النرجسيَّة العقليَّة البدائيّة، فالعقل الَّذي لا يزال أولياً تحكمه العاطفة، الذَّاتي يختلط مع الموضوعي، إذ تكون الرَّغبات عنيفة بشكل تستدعي معه الإيمان بتحقيقها، الحركة، الكلمة، هما بذاتيهما فعّالتان 13.

************

والفكر الأسطوري، لم يكن، إلا تعبيراً انفعالياً عن مشكلات غير محلولة أو مفهومة منذ طفولة الجنس البشري من خلال التعامل مع قوى خارجية طبيعية من جهة، و قوى غريزية داخلية من جهة أخرى. و عندما لا يجد الإنسان أي حل لهذا القلق ، فإنه لن يجد مفراً من كبتها، أو التحايل عليها مستعيناً بقوى عاطفية أخرى، تشكل الأسطورة أحد أوجهها الأكثر ألفة. فاللاشعور، حسب يونغ، لا يمكن أن يكون مجرد شطر من العقل الفردي، بل إنه قوة تند عن سيطرتنا، و تؤثر في عقولنا 14.

إنّ الوعي بالذات، والعقل، والتخيل، كل هذه الملكات مزقت الانسجام الذي اتسم به الوجود الحيواني، وجعل ظهورها في الإنسان شيئاً شاذاً، خارقاً في الكون، فهو جزء من الطبيعة ويعي ذلك، وخاضع لقوانينها الفيزيائية، وعاجز عن تغيير هذه القوانين، لكنه مع ذلك يتجاوز بقية الطبيعة، ولما كان الإنسان في وعيه لنفسه، يدرك عجزه والقيود التي تحد وجوده، فهو يعي نهايته، المتمثلة بالموت، ولا يتحرر أبداً من ثنائية وجوده المتمثلة في وعي موته، و رغبته اللا متناهية بالخلود 15. وهذا يدفعه دائماً للقيام بمهمة حل ثنائية لا سبيل إلى حلها إلا من خلال الأسطورة، التي تشكل إحدى المحاولات الناجعة لحل أزلية التناقض بين واقع الإنسان، ورغباته ، حيث يتصالح الإنسان مع نفسه، في عالم لا ينتمي إلى عالمه الواقعي، إلا بشكل رمزي . فلا عجب وفق هذا الاعتبار أن يبدع الإنسان خارج نفسه ملاحم وموضوعات عظيمة خارقة ويحبها، لأنها ليست عرضة لتقلبات وتناقضات الموضوعات الإنسانية، إنها تقفز فوق عجزه لتصل إلى تحقيق كل رغباته وشعوره بالأمان والقوة. فعندما أضاع الإنسان الفردوس (طمأنينة الطفولة) أصبح المتجول الأبدي (أوديسيوس – أوديب – فاوست – بوذا) محاولاً بجهد دائم أن يملأ ثغرات معرفته، بالأجوبة التي تحقق الانسجام من جديد بين الذات والعالم.

لذلك يمكننا القول أن كل فكر أسطوري لا يمكن فهم إطاره التعليلي، إلا بقراءة الحالات الانفعالية اللاشعورية التي صاغت تصوراته لهذا التعليل أو ذاك. إذ غالباً ما تكون الغرائز في أهدافها ومواضيعها الأصلية غير متوافقة مع الحياة الاجتماعية، و في مثل هذه الشروط المحددة نكون نظرياً أمام ثلاثة خيارات. إما إلغاء الغرائز، أو إلغاء تجلياتها، أو تصعيدها ، بتحويلها من هدف إلى هدف آخر مباين له ظاهراً، مطابق له باطناً، الحل الأول (أي إلغاء الغرائز) ليس مستحيلاً على المستوى العملي وحسب، بل لا يمكن تصوره نظرياً، لأنه يؤدي بالضرورة إلى القضاء على كل طاقة بشرية. وإلغاء التجليات أمر ممكن، وهو الدور الذي يؤديه الكبت، ولكن من الممكن أن تكون نتائجه مؤسفة على الأقل بالنسبة لسوية البنية النفسية، لا يبقى أمامنا سوى الحل الخير (التصعيد)، أي تحويل تلك الغرائز إلى الشكل المفيد اجتماعياً 16، وهذا التصعيد يظهر على صعيد فردي ممثلاً بالفن والأدب والعلم، أو جماعي من خلال الملاحم الأسطورية، التي تخلع على الشخصيات التي نتماهى معها، قوة عظمى تقاتل قوى الشر لتحمي الإنسان من شيطانه (الغرائز). بل إن تراث الأفكار ذات الطابع الأسطوري والملحمي المقدس، والذي لا يستمد قدسيته بالضرورة من الدين، بل من المجتمع نفسه، لا تنطوي على تحقيقات لرغبات وحسب، بل أيضاً على تذكرات تاريخية هامة، فما أعظم وما أوسع السلطان الذي سيتقلده الدين بنتيجة هذا التعاون بين الماضي والمستقبل. وهذا ما يجعل من الأسطورة حلم جماعي بامتياز. ونحن نعرف أن الأسطورة والفكر المرافق لها، لا تختلف كثيراً عن اللغة الرمزية التي نستعملها في الحلم، مع فارق أن تلك اللغة يتم التعبير عنها وكأنها تجارب حسية 17، على اعتبار أن الحلم أسطورة الفرد، كما أن الأسطورة هي حلم الجماعة. ورموز الحلم والأسطورة ما هي إلا تعبيراً عن تحقيق رغبات مستحيلة أو صعبة التحقيق. فأحلام اليقظة أو النوم تشبه أسطورة فردية بطلها الشخص نفسه، وهي حيلة تخفف التوتر الانفعالي، وعملية إعادة للتوازن تبقى غير إيجابية، إنها حل تخيلي هروبي سريع الزوال، نلقاها في الإكثار من التصورات التي يُدعى أنها تطور الواقع، ونلتقطها لتجميل المستقبل تجميلاً يعوض عن الحال المضطرب أو المحبط 18.

والملفت، أن هناك تلازم في الإطار العام، بين ضعف تأثير الأساطير الاجتماعية على الجماعة، وكثرة أحلام اليقظة لدى الشباب، حيث يعوض الحلم الفردي الحلم الجماعي. وقد كان يونغ مندهشاً، وهو يصغي إلى خيال مرضاه العفوي وأحلامهم، من أن يصادف أشكالاً وأوضاعاً ومشاهد لا تتكرر من حالم إلى آخر و حسب، و لكنها موجودة أيضاً في حكايات الجنيات والأساطير والقصص التي تنتمي إلى ثقافات مختلفة، حيث يقول أنه: "ينبغي أن نلاحظ أن ثمة موضوعات، أي أشكالاً نموذجية، بوسعنا أن نكشف أثرها البعيد في التاريخ، بل حتى في ما قبل التاريخ، ويبدو لي أنها تنتمي على وجه مطلق، إلى العوامل البنيوية للاشعور الإنساني، ولولا ذلك، لن أحسن شرح حضورها الكلي المتماثل في كل مكان "19.

لذلك يسهل فهم الأساطير من خلال دراسة الحلم، حيث يعيدنا الحلم إلى حالات قديمة جداً من الحضارات البشرية، ويمنحنا وسيلة فهمها بشكل أفضل، والأساطير تتبع نفس قواعد الحلم، وتعبّر عن نفس الرغبات التحريمية، والنزوات العدوانية كقتل الأب، وزواج المحارم، أو مجرد رغبة القتل من اجل القتل، كما في أرباب الانتقام، حيث ينتقل الليبيدو إلى مواضيع ثانوية، من خلال تكثيف الصور وتقسيم الميول، الفارق الوحيد يكمن هنا، في أن الحلم يُبرز الليبيدو الفردي، والأسطورة تبرز الليبيدو الجماعي، حيث يقول المحلل النفسي " كارل أبراهام ": " الأساطير هي البقايا المشوهة، التخيلات و رغبات أمم برمتها، هي أحلام البشرية الحديثة التي امتدت قروناً طويلة، ويؤكد يونغ بأن الميثولوجيا الفلكية ليست سوى إسقاط السيكولوجيا اللاواعية في السماء، فالأساطير لم ولن تبتكر مطلقاً بشكل واع، وإذا ما كنا نريد التوغل في أعماق حضارة ما، ومعرفة الدوافع الخفية التي تشكل بداية المؤسسات الاجتماعية، سيتوجب علينا تحليل أساطير هذه الحضارة 20.

ومن جهة أخرى، يترك هلع صدمة الولادة، كما يرى رانك، أثاراً عميقة في لا وعي الطفل، فهو يفسر الحلول الأولى لمسألة الموت، الذي ليس توارياً أو تدميراً، بل عودة إلى الرحم، وأول تفسيرات سر الولادة، يرغب الصغير في معرفة من أين يأتي إخوته، بكل حال، فهو لا يعير أي التفاته لأعضائه الجنسية، لقد جاء الأخ من البطن، الفخذ أو الشرج، أو الفم، لماذا ؟ لأنه يريد أن ينسى ذكر قدومه المريعة إلى العالم، انتزاعه من بطن أمه، لا يتأتى تبخيس قيمة المرأة من كونها ذات مظهر مخصي وحسب، وإنما من إيقاظها في الطفل ذكرى ترتبط بالولادة، مع قافلة من الذكريات المؤلمة عند البالغ، وليس الشطح الصوفي سوى عودة رمزية إلى الوضعية داخل الرحم، تماماً كما يعتبر المعبد الخافت نسخة مؤسساتية له 21.

************

وعن طريق الحلم، ومن خلفه الأسطورة، أبان لنا فرويد أن اللاشعور ليس مجرد وصف لمفهوم، وإنما هو لغة مسكون بها الإنسان، فالأنا لا تتكلم باسمها، الحلم خطاب، رسالة من الآخر القابع في كل منا، وعلينا أن نفك طلاسمها. ولغة الحلم، كما الأسطورة، ما هي إلا طريقة يحاول النشاط النفسي اللاشعوري عبرها أن يعبّر عن نفسه، رغم أن اللاشعور يتحدث بلهجات متعددة 22. والطريقة التي يعبر بها الحلم عن مقولتي التضاد والتناقض لباعثة على الدهشة حقاً، فهو لا يعبّر عنهما، بل يبدو كأنه، يجهل ال ( لا )، و لكم يبرع في الجمع بين الأضداد وفي تمثيلها في موضوع واحد. ويبدو أن مفسري الأحلام في العصور القديمة قد استخدموا على أوسع نطاق الفرضية التي مؤداها أن الشيء يمكن أن يدل في الحلم على نقيضه، ويسلّم بهذه الإمكانية أيضا المحللون المعاصرون في مضمار الأحلام، والأمر نفسه ينطبق على الأسطورة بالطبع.

والشيء الواحد الوحيد الذي يمكن لعلم النفس أن يقرره هو حضور الرموز التشكيلية التي ليس تفسيرها محدداً في شيء بصورة مسبقة، وبوسع المرء أن يقرر بشيء من اليقين أن للرموز سمة الكلية، وتعني إذاً ضرباً من الكلية على وجه الاحتمال 23. ويرى التحليل النفسي الفرويدي في كل رمز، انعكاساً لاواعياً للطبيعة النفسية للإنسان، وبذلك تتلاقى رموزها مع رموز الأحلام والحالات النفسية غير المفهومة. وبدراسة الأنا الواقعة فوق الوعي، تتكشف الأسباب العميقة والعلل المحددة لنشاط الوظيفة المرمزّة لدى الإنسان. فأسطورة أوديب و قدمه المشوهة، تكوّن رمز لقلق مشوه، وأبو الهول (السفنكس) المُراد مواجهته في الأسطورة، ليس إلا ميدان اللاوعي المهول والمخفي. وزواج أوديب من الأم، وما ينتج عنه من غشيان محارم ثم انتحار الأم أي الموت، وسمل عيني أوديب كعقاب عن خطيئة ناتج عن شعور بالذنب بعد معرفة الأسرار (معرفة لغز طرحه السفنكس واستطاع أوديب فكه)، وذلك ليس إلا تعبيراً عن العواقب التي تتبع محاولة معرفة الدوافع الدفينة للرغبات البشرية.

وبالتالي انطلاقاً من التحديد الفرويدي، نجد المحرم هو فعل محظور يندفع اللاوعي نحوه بواسطة ميل أقوى، غير أن هذا الميل شديد القوة بشكل أنه يُقاوم التحريم، خالقاً التقاطب في مفهوم المقدس، ويمكننا الموافقة كواقعة مؤكدة، في حياة البدائي النفسية، على أن التقاطب يلعب باستمرار دوراً اكبر مما يلعبه في الحياة النفسية للمتحضر الحالي، والتناقض في هذا التقاطب يؤدي كنتيجة طبيعية إلى التواري التدريجي للمحرم الذي لا يعد سوى نظام تسوية بين ميلين متصارعين. وتنقلنا المحرمات من المعتقدات الدينية إلى الطقوس، لا يتوهم المريض تصورات خيالية فقط، بل إنه يبتكر طقوساً دينية شديدة التعقيد 24. فلو تناولنا أسطورة ولادة البطل، التي كانت مادة العمل الكلاسيكي، نرى كل الروايات حول ولادة البطل، إن يكن موسى أو المسيح، أو أوديب، أو رومولوس، أو تريستيان، أو لوهانغرين، تتبع نفس المتوالية الموضوعية، البطل هو ابن إله أو ملك، إنما تتعرض ولادته عراقيل، يتنبئون بأنه سيقتل والده، وأحياناً سيولد سراً، يُحكم على المولود بالموت، أو بالتخلي، يوضع في صندوق و يلقى بالماء، أو يسافر مع أمه وأبيه هرباً من الموت، يخلصه ناس فقراء يصبحون أهله، بعد ذلك ينتقم البطل من أبيه، أو ملكه الذي هو بمثابة الأب، و يعلى من أهميته، ونحن نجد أن المصابون ببارنويا العظمة، يختلقون روايات لها علاقة بعلاقات أمهاتهم بشخصيات رفيعة المقام، ويميزون بين أباهم الحقيقي، والظاهر، وذلك يسمح لهم بالتوفيق بين مشاعرهم المتناقضة بين الحب والكراهية، التي تتغذى تجاه مالك الأم ، و ذلك بتقطيعه اثنين ، و جعل الأب الوحي هو المثل الأعلى 25.

وفق هذا الاعتبار، أكد فرويد أن هناك الكثير من الظواهر السلوكية الغامضة، كالتنويم المغناطيسي والأحلام، يمكن أن تُفسر بسهولة متى تم الاعتراف بأن الحياة النفسية تعمل على عدة مستويات، وأن واحداً فقط من هذه المستويات هو واعٍ تماماً بالمعنى العام للتعبير، وأن الوعي لا يحتوي في كل لحظة إلا مضموناً ضعيفاً بحيث أن معظم ما نسميه معرفة واعية يجب أن يوجد ، في غالب الأحيان ، في حالة الكمون، وبالتالي في حالة لاوعي نفسي 26. حيث يمتد اللاوعي على حقل واسع، ويمكن تشبيهه بأنه مجموعة نفسية بدائية، ولو كان عند الإنسان بنية نفسية موروثة عن أقدم أجداده، لو كان عنده شيئاً مشابهاً لغريزة الحيوان، لكان هذا الشيء هو الذي يشكل نواة اللاوعي 27.

ومفهوم " عودة المكبوت " في صورة ميراث عقلي فطري، والمتوارث لدى كافة الناس عن الإنسان الأول منذ المجتمع البدائي، يمثل مسألة أساسية وجوهرية للتحليل النفسي الفرويدي، فالخصائص النفسية والطبائع والذكريات والأفكار، والنزعات الجنسية الطفلية، والازدواجية الوجدانية التي فطر الإنسان عليها، منذ العصور الأولية القديمة، كل هذا قد تم توارثه من جيل إلى جيل، وهو مختزن في أعماق لا وعي الإنسان، هذا الميراث قاد فرويد إلى ترسيخ اعتقاده بأن عقدة أوديب هي حقيقة ثابتة، بل هي حدث تاريخي، كان له موقعه في الحياة البشرية، أي أن عقدة أوديب هي ظاهرة شاملة تلعب دوراً مصيرياً في حياة البشر، وعند جميع الشعوب في مختلف الحضارات. وهذا ينطبق على العديد من التصورات النفسية ذات الطابع المقدس، فمثلاً كانت النظرية الإبليسية (المس) الشائعة في الأزمنة السابقة المظلمة، أقرب إلى الصحة والصواب من جميع التأويلات البدنية التي رأت النور في حقبة العلوم الدقيقة، فضروب المس، تناظر أعصبتنا التي عمدنا إلى تفسيرها بالاستعانة من جديد بالقوى النفسية، فالأبالسة في نظرنا، نحن، رغبات شريرة، مُستهجنة، تتبع دوافع مكبوتة، وكل ما هنالك أننا نتحاشى إسقاط هذه الخلائق النفسية في العالم الخارجي على نحو ما كان يفعل العصر الوسيط (نلاحظ حتى الآن نبرر أفعالنا المستهجنة بأنها وسوسة الشيطان)، بل ندعها تولد في حياة المرضى الداخلية حيث مكان إقامتها 28.

بذلك أكد التحليل النفسي أن علم النفس مهما درس الحياة العقلية الشاملة المستنيرة التي تظهر في التفكير الشعوري، ومهما ساعد بشتى وسائل التنقيب، فإنه لن يتيسر له الكشف عن الإنسان الباطني الكامل، وهذه الدراسة تحتاج إلى تضمين اللاشعور. ووجود اللاشعور في النفس ليست من اختراع فرويد فقط. فهي مسألة قديمة و مُعترف بها من الجميع، وقد اقترح ستانلي هول، أن تشبه النفس جبل الجليد يمثل الشعور فيه الجزء البارز على سطح الماء، أما الجزء الأكبر، وهو الكتلة المغمورة وغير المرئية، فتمثل اللاشعور، ولم يعترض الكثيرون على هذا التشبيه . فاللاشعور الفرويدي الذي يُحدث الأعراض النفسية و يفرضها، من الميسور أن يفهم على أنه شيء طبيعي، لا كعامل خارق للطبيعة، وهو ينشأ إلى حد ما، داخل النفس.

************

ومع يونغ ، سوف تكون الرموز والصور التي تنبع عفوياً من اللاشعور الجماعي، بمثابة قوى وشحنات ايجابية رابطة للإنسان، فهي مشروطة تاريخياً بزمن و ثقافة معينين بعالم روحي أكثر غنى من العالم التاريخي، أي المحدود الماكث فيه، فالدور الأول للرمز، يتمثل في إعادة التوازن للفرد بإنتاج، دون حد، لصور نموذجية معيارية داخل النشاط الإنساني، تسمح للإنسان بوعي روحه. فالأسطورة إذاً، تجمع عناصر ذاتية لصيقة بالنفس الإنسانية، وتضم معطيات موضوعية من العالم الذي عرفت النشوء فيه، فالشمس والقمر معطيان موضوعيان، في حين أن العديد من المنظومات الدينية وقع توظيفها للتعبير عن شيء مغاير، والأسطورة لا تُنسج حول الشمس أو القمر إلا انطلاقاً من فعل نفسي مميز، يعبر عنه بالعملية الرمزية، والتشابه والتماثل للرموز عبر الزمان والمكان، سواءً في الأساطير، أو في التجربة اليومية للحالمين، والمجهولة من جانبهم، تبين وجود حالات مشتركة بين كل الناس. لاواعية جماعية 29. يقول يونغ: " نصف حياتنا النفسية على الأقل مسرحها وجودنا الليلي، وكما أن الشعور يمد تفرعاته حتى في ليالينا، فإن اللاشعور أيضاً يبرز في حياتنا من خلال اليقظة، وليس ثمة شخص يرتاب في أهمية الحياة الشعورية وتجاربها، فلماذا نرتاب إذاً من دلالة تلاحق الأحداث اللاشعورية؟ إنها حياتنا أيضاً، وهي في بعض الأحيان أكثر خطراً من الأحداث الشعورية، وأكثر أمناً في أحيان أخرى 30.

فالإنسان هو الجاهل الوحيد الذي لا يعرف أنه يجهل ما يعرفه، وعليه واجباً والتزاماً كي يعرف أقصى ما يستطيعه عن نفسه. فالفرد يعتمد في شرح العوامل اللاشعورية على الأحلام وعلى الخيال الإيجابي، اللذين تبدو فيهما هذه العوامل في حالة الإسقاط معزولة بصورة نسبية عن سلوكيات ممتزجة بها عادةً.

وقد وضح يونغ في مرحلة أولى، واقعاً مفاده أن الذات أسقطت، قبل التعرف عليها، في وجوه ميثولوجية، فالأنا الشعورية، هي العامل النفسي الوحيد الذي يستجيب للتناقضات الداخلية في القوى اللاشعورية، وشرط وحدتها، والمبدأ الذي يرغمها على أن تندرج في التاريخ، على شكل حكاية أو قصة أو أسطورة وملحمة.

فمثلاً: تتلخص أسطورة الأب الباطش عند فرويد أنه في البدء كان الرهط يدار من قبل أب عنيف ومتسلط يملك نساء القبيلة بشكل قطعي على حساب أولاده الذكور، (ينبغي ملاحظة أن هذه الأسطورة لا يجب أن ننظر إليها ضمن السياق التاريخي المتحقق، بقدر ما ننظر لها باعتبارها حقيقة نفسية تعبر عن نزاع عميق كامن في النفس البشرية تجاه القانون والسلطة القامعة للرغبات) يُقتل الأب من قبل الأولاد ثم يُقتسم ويُؤكل، فتحقق هذه الوضعية نمطاً من التماهي البدائي الذي يهدف إلى اجتياف قوة ومخافة الأب، مما يولد الشعور بالذنب، هذه المشاعر تطلق تماهيات مع نظام أعلى جاعلة الأب مثالياً، فالأب الميت يصبح مثالاً وأكثر سلطة وقوة، لأن افتتان الوعي بصورة السلطة لا يتم إلا في غيابها، فينشأ التماهي المتبادل بين الأولاد، وينبثق الحب بين الأشقاء، ويحل محل الغيرة البدائية مكوناً فيما بينهم، ولادة أول تنظيم اجتماعي، حيث بروز أول مؤسسة أخلاقية دينية وحقوقية، فيصبح الأب مجسداً للقانون الرمزي. إذ أن كل صورة رمزية في الحلم، كما في الأسطورة، هي الرمز لشيء أحسسناه، وربما رغبناه.

************

واللّغة الرمزيّة، هي اللّغة الَّتي يكون فيها العالم الخارجي رمزاً للعالم الداخلي، وذلك على النّحو نفسه في كلّ الأساطير والأحلام سواء في الثّقافات البدائيَّة، أم في الحضارات اللاَّحقة، كالمصريّة واليونانيّة، لذلك نجد أن الرُّموز المستعملة في مختلف هذه الحضارات، متشابهة بشكل ملحوظ، وذلك لأنّها تعود إلى نفس المحسوسات أو المدركات الحسيّة، وتعود إلى نفس التَّجارب الرُّوحيّة الَّتي تجمع أبناء هذه الحضارات كلّهم 31. على سبيل المثال: نذكر أنّ العملة في كلّ الحضارات تعبّر عن رمز الغائط، وهو ما يمثّل الشَّخصيات ذات الطَّبيعة الشَّرجيَّة وفق المصطلح التَّحليلي (في بابوس ميلانيزيا – أشنتي _ سيام – أرامي – كيواي في غينية الجديدة) ويرمز للأب بالحاكم، الطَّوطم، الوحوش الأسطوريَّة، الأرواح آكلة لحوم البشر، الشّمس. ويرمز إلى الأم بالكنيسة، المغارة، القمر، وإلى الولادة بالماء (الداغومبيا في إفريقيا، الكيوكيوتل في أميركا، التيكوبا في بولينيزيا) 32.

وإذا ما نظرنا إلى بنية كلّ فكر أسطوري بخصوص نشأة الكون، نجد دائماً أنّ الكون من خلق كائن يشبه الإنسان، لكنّه أعظم منه من كلّ الوجوه، فهو أقوى منه جانباً، وأكثر حكمة، وأشد بطشاً، وعلى الجملة، فالكون من خلق إنسان مثالي أسمى، أو حيوان عظيم كما نجد من أثار الطوطميّة، ومن الطَّريف أن نلاحظ أن خالق الكون يكون على الدَّوام ذكراً، ولو كان يوجد من أدلَّة على إلهة من الإناث، فإنّها واقعياً لا تأثير مباشر لها في خلق الكون، ففي الكثير من الأساطير نجد خلق العالم، بدأ بإله ذكر إما بشكل مباشر، أو عن طريق انتصاره على آلهة أنثى، يمسخها ويمزّقها لينشأ العالم من جسدها برمزيّة لا يمكن إغفالها عن تصور ذكوري عدواني وسادي واضح المعالم، ذلك الإله يدعى صراحة بالأب .

وقد استخلص التّحليل النَّفسي أنّ فكرة الإله الأب تمثل الأب فعلاً، يكسوه ذلك الجلال الَّذي يبدو لعين طفل صغير، فالإنسان المتدين يتصور خلق الكون على غرار خلقه هو، وفي كنف هذا الأب يشعر بالطمأنينة والحماية، وحتَّى الرَّاشد الكبير يشعر في قرارة نفسه " لا سيّما عند إحساسه بالضّعف لأي ظرف كان " أنّه من العجز وقلّة الحيلة ما كان في طفولته، وأنّه في صلته بالعالم الخارجي لا يزال طفلاً، ولا يستطيع أن يتخلَّى عن تلك الحماية الَّتي كان ينعم بها و هو طفل 33. من هنا نستنج ارتباط الحاجات المقدَّسة وما يتبعها من أساطير، بحالة التبعيَّة المطلقة في الطُّفولة، وكذلك في الحنين إلى الأب الَّذي تثيره هذه الحالة، وهذا الإحساس المذكور لا يرجع إلى بقايا هذه الحاجات من مرحلة الطُّفولة فقط، بل لأنَّ القلق الَّذي يشعر به الإنسان أمام قوَّة القدر القاهرة يرعاه بطريقة دائمة قوّة الحاجة إلى حماية الأب. بذلك يغدو اللاَّشعور، رحم القضايا الميتافيزيقيّة كلّها، وكلّ الأساطير، وكلّ فلسفة.

وتظهر محتويات اللاَّشعور الجمعي ظهوراً بارزاً جداً في بعض حالات الاضطرابات العقليَّة، وفي الفصام على وجه الخصوص، وتنتشر في هذه المحتويات صور ميثولوجيَّة ذات تنوّع ليس موضع الظنّ، ويتيح للمصابون بالاغتراب العقلي على الغالب، تداعيات أفكار ورموز لا ترجع إلى تجارب وجودهم الفردي، بل تستند إلى تاريخ الفكر الإنساني، إنّنا إزاء الفكر البدائي الميثولوجي الَّذي يعيد إنتاج صوره الأوليَّة، وليس إزاء إعادة إنتاج للتَّجارب الشُّعوريَّة على الإطلاق. يقول يونغ: أنَّه في حين أنَّ محتويات اللاَّشعور الشَّخصي مكتسبة خلال حياة فرد من الأفراد، فإنّ محتويات اللاَّشعور الجمعي، هي أنماط أوليّة على نحو لا يتغيّر، أنماط أوليَّة موجودة منذ البداية، وبذلك يغدو اللاَّشعور الشَّخصي مصنوعاً من اللاَّشعور الجمعي، إنَّه ناجم عن التقاء مصادر المعلومات الَّتي تحكم التَّطور الإنساني وتأخذ بالحسبان الظُّروف، والخصوصيات والاختيارات والوارثات والأساطير، والتَّقاليد، وبالاختصار كلّ سياقات الوجود الماديَّة والنَّفسيّة والاجتماعيَّة والفرديَّة 34.

************

من هنا نرى أن الأسطورة إذا كانت تروي تاريخاً، فإنّ طبيعتها العميقة هي في كونها لا تاريخيَّة، إنّها محاولة اندماج وتوحّد آمن بين الحدث الخارجي، والرضات النّفسيَّة الَّتي يخلقها في الإنسان، إنّها محاولة تفسيريَّة توائم بين الواقع والمرغوب، وبالتَّالي تمثّل الأسطورة تكتيكاً لإلغاء التَّاريخي، وتحقيقاً للحدسي، فهي مسعى عفوي للإنسان للتملُّص من وجوده التَّاريخي، ولأجل تحقيق هذا الأمر يبدو المخيال الأسطوري للإنسان مليئاً بالإمكانات. وعلى ذلك فإنَّ ميّزة الأسطورة ليس في تقديمها صورة موضوعيَّة عن العالم، ولكن في تعبيرها عن الشَّكل الَّذي يتفاهم به الإنسان مع هذا العالم. يقول جوستاف لوبون: " إذا كان الأموات أكثر من الأحياء بما لا يحصى، فإنَّهم أقوى من الأحياء بما لا يحصى، والأموات يسيطرون على دائرة اللاَّشعور الواسعة، تلك المنطقة الخفيَّة الَّتي يصدر عنها جميع مظاهر الذَّكاء والأخلاق، والشّعب مُسيّر بأمواته أكثر ممَّا بأحيائه، وبالأموات وحدهم يقوم العرق، والأموات في القرن بعد القرن أوجدوا أفكارنا ومشاعرنا، ومن ثمّ جميع عوامل سيرنا، والأجيال الغابرة تفرض علينا أفكارها، فضلاً عن مزاجها الجسماني، والأموات وحدهم هم سادة الأحياء بلا جدال، ونحن نحمل وزر خطايا الأموات ونقطف ثمرة فضائلهم " 35.
الهامش:
1-إيرك فروم: جوهر الإنسان – ترجمة: سلام خير بك، دار الحوار، اللاذقية، ط1 2011، ص 131.
2- إدغار بيش: فكر فرويد – ترجمة: د جوزيف عبد الله، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط1 1996، ص 153.
3- روجيه باسيد: السيسيولوجيا والتَّحليل النفسي – ترجمة: وجيه البينعي – دار الحداثة، بيروت، ط1 1988، ص 155.
4- إريك فروم: الدين والتحليل النفسي، ترجمة: فؤاد كامل – مكتبة غريب – بلا تاريخ – ص 12.
5- د: زهير مناصيفي: الجماعة والتَّحليل النفسي، مجلة الفكر العربي المعاصر – العدد 11، 1981، ص 76.
6- علي زيعور: اللاوعي الثقافي ولغة الجسد في الذات العربية – دار الطليعة، بيروت، ط1، 1991، ص 52 - 53.
7- سيجموند فرويد: مستقبل وهم – ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط4، 1998، ص 15.
8- سيجموند فرويد: مستقبل وهم – ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط4، 1998، ص 19.
9- علي زيعور: اللاوعي الثقافي ولغة الجسد في الذات العربية – دار الطليعة، بيروت، ط1، 1991، ص 163.
10- روجيه باسيد: السيسيولوجيا والتَّحليل النَّفسي – ترجمة: وجيه البينعي – دار الحداثة، بيروت، ط1، 1، ص 258.
11- ميشال مسلان: علم الأديان. مساهمة في التأسيس – ترجمة: مشروع كلمة، أبو ظبي، ط1، 2009، ص 202، 208.
12- إيرك فروم: جوهر الإنسان – ترجمة: سلام خير بك، دار الحوار، اللاذقية، ط1 2011، ص 102.
13-روجيه باسيد: السيسيولوجيا والتّحليل النّفسي – ترجمة: وجيه البينعي – دار الحداثة، بيروت، ط1، 1988، ص 40.
14- إريك فروم: الدّين والتَّحليل النّفسي، ترجمة: فؤاد كامل – مكتبة غريب – بلا تاريخ – ص 21.
15- إريك فروم: الدّين والتَّحليل النّفسي، ترجمة: فؤاد كامل – مكتبة غريب – بلا تاريخ – ص 26.
16- إدغار بيش: فكر فرويد – ترجمة: د جوزيف عبد الله، المؤسّسة الجامعيَّة للدّراسات والنّشر، ط1، 1996، ص 80-81.
17- إريك فروم: الدّين والتَّحليل النّفسي، ترجمة: فؤاد كامل – مكتبة غريب – بلا تاريخ – ص 101.
18- علي زيعور: اللاَّوعي الثَّقافي ولغة الجسد في الذّات العربية – دار الطليعة، بيروت، ط1، 1991، ص 57.
19- إيلي هومبيرت: كارل يونغ – الأساسيات: ترجمة: وجيه أسعد، منشورات وزارة الثّقافة، دمشق، 1991، ص 140.
20- روجيه باسيد: السيسيولوجيا والتّحليل النّفسي – ترجمة: وجيه البينعي – دار الحداثة، بيروت، ط1، 1988، ص 55 - 56.
21- روجيه باسيد: السيسيولوجيا والتّحليل النّفسي – ترجمة: وجيه البينعي – دار الحداثة، بيروت، ط1، 1988، ص 33.
22- عبد القادر حسين: التَّحليل النّفسي، ماضيه ومستقبله – دار الفكر، دمشق، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط1، 2002، ص 170.
23- يلي هومبيرت : كارل يونغ – الأساسيات: ترجمة: وجيه أسعد، منشورات وزارة الثّقافة، دمشق، 1991 ،ص 65.
24- روجيه باسيد : السيسيولوجيا والتّحليل النّفسي – ترجمة: وجيه البينعي – دار الحداثة، بيروت، ط1، 1988، ص 53 - 54.
25- روجيه باسيد : السيسيولوجيا والتّحليل النّفسي – ترجمة: وجيه البينعي – دار الحداثة، بيروت، ط1، 1988، ص 56.
26- إدغار بيش: فكر فرويد – ترجمة: د جوزيف عبد الله، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر، ط1 1996، ص 43.
27- إدغار بيش: فكر فرويد – ترجمة: د جوزيف عبد الله، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر، ط1، 1996، ص 50.
28- سيجموند فرويد: إبليس في التّحليل النّفسي – ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطَّليعة، بيروت، ط3، 1999، ص 6.
29- ميشال مسلان: علم الأديان. مساهمة في التأسيس – ترجمة: مشروع كلمة، أبو ظبي، ط1،2009، ص 259.
30- إيلي هومبيرت: كارل يونغ – الأساسيات: ترجمة: وجيه أسعد، منشورات وزارة الثّقافة، دمشق، 1991، ص 31.
31- إريك فروم: الحكايات والأساطير والأحلام – ترجمة: صلاح حاتم، دار الحوا، اللاذقية، ط1، 1990، ص 22.
32- روجيه باسيد: السيسيولوجيا والتّحليل النّفسي – ترجمة: وجيه البينعي – دار الحداثة، بيروت، ط1، 1988، ص 241.
33- سيجموند فرويد: محاضرات تمهيدية في التَّحليل النَّفسي – ترجمة: د عزت راجح، دار مصر للطباعة، بلا تاريخ، ص 148 - 149.
34- إيلي هومبيرت: كارل يونغ – الأساسيات: ترجمة: وجيه أسعد، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1991، ص 162.
35- جوستاف لوبون: السنن النفسية للأمم – ترجمة: عادل زعيتر، دار المعارف، مصر، ط2، 1957، ص 34.

إعداد:ذ/معاذ قنبر

Admin
Admin

عدد المساهمات : 2320
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

http://alhoriyatmaroc.worldgoo.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى