منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب
مناضلون بلا عنوان
مناضلون في أيّ مكان
نكتب سير الأبطال للأطفال
نحلم بالورد والخبز والزيت
وكتب الحب والنار
ورسم العصافير والتذكار
وعشق المطر والأزهار
مناضلون مناضلون
ماالذي يحوِّل الكفّ قذيفة
والقلب ترابا ورغيفا
ما الذي يجعل الضلوع خنادق والكلمات بنادق
غير حزن الكادحين
مناضلون مناضلون
إننا نسير نسير...لنفك قيد الوطن الأسير
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
نوفمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930   

اليومية اليومية

التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني




ما الـــعــدمـــيـــة ؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

ما الـــعــدمـــيـــة ؟

مُساهمة  Admin في الإثنين يوليو 31, 2017 2:46 pm

العدمية Nihilism هي الاعتقاد بأنّ كافة القيم والأخلاق ليس لها أي أساس أو قاعدة يمكن الرجوع إليها أو القياس على أساسها. وهي غالباً ما ترتبط بالتشاؤم المفرط والشك العميق بحقيقة الوجود. والعدمي الحقيقي هو الذي لا يؤمن بأي شيء، وليس عنده أي وفاء لأي مذهب، وهو يفتقر إلى الإيمان وحس الغاية أكثر من كونه يميل إلى التهديم وإسقاط القيم والمفاهيم. وبينما يدعي بعض الفلاسفة كونهم عدميين، إلا أن العدمية غالباً ما تعود في جذورها إلي الفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" والذي قال أن التأثيرات الهدّامة للعدمية ستدمّر في النهاية كل المعتقدات الأخلاقية، والدينية، والميتافيزيقية، وتؤصل للأزمة الأعظم التي ستواجه الفكر البشري في التاريخ.
في القرن العشرين، شغلت الأفكار المتعلقة بفشل العدمية ذو الطابع الأبستمولوجي، وسقوط القيم، وضياع حس الغاية الكونية، عقول الفنانين، والمفكرين والنقاد الاجتماعيين، والفلاسفة. فخلال منتصف القرن العشرين على سبيل المثال، ساهم الوجوديون في نشر وتعميم العدمية في محاولة منهم لصقل إمكانياتها التدميرية. وعند نهاية القرن، فسح اليأس الوجودي كاستجابة للعديمة المجال أمام اللامبالاة، التي ارتبطت في أغلب الأحيان بالنزعة الأنتي تأسيسية [أي النزعة المضادة للتأسيسية].

*الأصول
جاء مصطلح "Nihilism" من الكلمة اللاتينية nihil أو العدم أو لا شيء، والتي لا تعني أي شيء غير موجود. فهي تظهر في فعل "إبطال أو إعدام annihilate" والذي يعني إنهاء، تدمير. في أوائل القرن التاسع عشر، استخدم فريدريك جاكوبي هذا المصطلح لتمييز المثالية المتعالية سلبياً. ولم ينتشر هذا المصطلح إلا بعد أن ظهر في رواية إيفان تروجينيف "الأب والأولاد" عام 1862 حيث أنه استخدم كلمة nihilism كي يصف مذهب العلمية الخام الذي اعتنقته إحدى شخصيات الرواية "بازاروف" الذي كان يبشر بمذهب الإنكار التام.
أصبحت العدمية في روسيا مرتبطة بحركة ثورية منظّمة بشكل كبير (1860-1917) والتي رفضت كل أشكال السلطة: من سلطة الدولة والكنيسة والعائلة. وقد قام قائد الفوضويين ميخاييل باكونين (1814- 1878) في كتاباته المبكرة بإعداد الالتماس السيئ السمعة الذي مازال مرتبطاً بالعدمية حتى هذا اليوم: "دعونا نضع ثقتنا في الروح الأبدية التي تدمر وتفني فقط لأنها المصدر المبدع والبعيد المنال لكل الحياة _الرغبة في التدمير هي رغبة مبدعة" [ردود الفعل في ألمانيا، 1842]. دعت الحركة إلى إقامة ترتيب اجتماعي قائم على النزعتين: العقلانية والمادية كمصدر وحيد وأساسي للمعرفة، والحرية الفردية كأسمى هدف في الوجود. وعن طريق إنكار الجوهر الروحي الإنساني واستبداله بجوهر مادي بالكامل، أعلن العدميون السلطة الإلهية والكنسية تناقض الحرية. تدهورت الحركة في النهاية وسقطت في أخلاقيات الفتنة والتدمير والفوضى، وفي نهاية سبعينات القرن الثامن عشر أصبح العدمي هو أي شخص متورط أو مرتبط مع الحركات السياسية السرية التي تدعو إلى الإرهاب والتخريب وتستخدمهما كوسائل لتحقيق أهدافها.
المواقع الفلسفية السابقة التي ارتبطت بالعدمية والتي يمكن تشخيصها كأفكار عدمية هي تلك التي جاء بها الشكيون. ولأنهم أنكروا إمكانية اليقين، يمكن للشكيين أن يعلنوا الحقائق التقليدية كآراء وأفكار غير مبررة. عندما لاحظ ديموسثينيس (322- 371 ق.م) أن "الذي تمناه بأن يؤمن به، هو الشيء الذي يؤمن به كل إنسان" [Olynthiac]، إنه يفترض الطبيعة العلائقية للمعرفة. لذلك فإن الشك المتطرف Skepticism ارتبط بالعدمية الأبستمولوجية/ المعرفية والتي تنفي احتمال وجود المعرفة اليقينية والحقيقة. وهذا الشكل من العدمية يحدد حالياً بالأنتي تأسيسية ما بعد الحداثية.
العدمية في الحقيقة، يمكن فهمها بطرق عدة مختلفة:
• العدمية السياسية، كما لاحظنا هي مرتبطة بالاعتقاد بأن دمار كافة الأوامر السياسية والاجتماعية والدينية هو شرط لازم لأي تطور مستقبلي.
• العدمية الأخلاقية, وهي ترفض إمكانية وجود القيم الأخلاقية المطلقة. وفي المقابل، الخير والشر هما أمران مبهمان وضبابيان، والقيم التي تحاكيهما ما هي إلا نتاج الضغوط الاجتماعية والعاطفية، وليس شيء آخر.
• العدمية الوجودية، هي الفكرة التي تقول أن الحياة ليس لها أي قيمة أو معنى جوهري، وهذا هو المفهوم الأعم والأكثر استعمالاً للكلمة هذا اليوم.
هجمات ماكس شتيرنر (1806- 1856) على الفلسفة المنتظمة، وإنكاره للكليات والمفاهيم المطلقة، ورفضه للأفكار المجردة والمفارقة مهما كان نوعها، غالباً ما جعلته ذلك من بين أوائل المفكرين العدميين. فبالنسبة لشتيرنر، إن تحقيق الحرية الشخصية هو القانون الوحيد، وأن الدولة أو السلطة التي تعرض الحرية للخطر يجب التخلص منها إلى الأبد. وحتى ما بعد ظلم وقمع السلطة هناك القيود التي المفروضة من قبل الآخرين لأن وجودهم الخاص هو عقبة في درب الحرية الفردية. لذلك يقول شتيرنر أن الوجود هو "حرب لا نهائية بين الجميع" [الأنا وخاصته، 1907].

*فريدريك نيتشه والعدمية
من بين جميع الفلاسفة، فريدريك نيتشه هو من أكثرهم ارتباطاً بالعدمية. فبالنسبة لنيتشه، ليس هناك أي قانون موضوعي أو بنية موضوعية في العالم سوى تلك التي نأتي بها نحن. فاختراق المظاهر يدعم الاتهامات، فيكتشف العدمي أن كافة القيم لا أساس لها وأن ذلك السبب ضعيف وواهن.
يكتب نيتشه قائلاً: "كل معتقد، كل شيء يعتبر حقيقة، هو زائف بالضرورة لأنه ببساطة ليس هناك عالم حقيقي" [إرادة القوة]. فبالنسبة له، تتطلب العدمية تبرؤ تام من كلفة القيم والمعاني المزيفة "العدمية هي... ليست فقط الاعتقاد بأن كل شيء يستحق الموت والفناء، بل أن يضع الإنسان كتفه على المحراث، أن يدمر" [إرادة القوة]
يرى نيتشه أن القوة الكاوية للنزعة العدمية قوية جداً ومطلقة، وتحت فحصها الصارم "تنكر القيم العليا ذاتها، حيث أن تفتقر إلى الهدف، وكلمة لماذا لا تلقى أية إجابة" [إرادة القوة]. حتماً، ستكشف العدمية كل المعتقدات العزيزة والغالية والحقائق المصونة كأعراض للميثوس الغربي المليء بالعيوب. وانهيار المعنى، الترابط، الهدف سيكون القوة الأكثر تدميراً في التاريخ، حيث أنها تشكيل هجوم شامل ومدمر على الواقع ولا شيء أقل من أعظم أزمة في تاريخ الجنس البشري.
"ما أعنيه هنا هو تاريخ القرنين التاليين. أنا أصف ما هو آتٍ، ما لن يأتي بشكل مختلف: حلول العدمية... فلبعض الوقت كانت حضارتنا الأوروبية بالكامل وكأنها تسير باتجاه كارثة، مع توتر مضني يتزايد من عقد إلى آخر: بتأنٍ، بعنف، وبطيش، مثل النهر الذي يسعى لبلوغ نهاية مصبه..." [إرادة القوة].
منذ نقد نيتشه المفحم، شغل الفشل العدمي ذو الطابع الأبستمولوجي، ومسألة دمار القيم، واللا جدوى الكونية، عقول الفنانين والنقاد الاجتماعيين والفلاسفة. على سبيل المثال، أوزفالد شبنجلر المقتنع بتحليل نيتشه وبدقته، وفي كتاب "سقوط الغرب" 1926، درس العديد من الثقافات لتأكيد وإثبات أن أنماط العدمية كانت بالفعل خصائص ملفتة للنظر على سقوط الحضارات. وقد لاحظ أثناء تفحصه لكل حالة فشل حضاري أن تقاليد الفنية، والسياسية، والدينية القديمة، قد أضعفت وأخيراً أسقطت عن طريق الأعمال الماكرة لعدة مواقف عدمية متميزة: العدمي الفاوستي _نسبة إلى فاوست_ "يحطّم النماذج والمثل". العدمي ألأبولوني "يشاهدها تتهاوى أمام ناظريه". أما العدمي الهندي "ينسحب من حضورها إلى نفسه". فالانسحاب على سبيل المثال، غالباً ما يعرف بنفي الواقع والاستقالة التي تدعو إليها الديانات الشرقية، يرتبط في الغرب بنسخ مختلفة من الأبيقورية والرواقية. وخلال دراسته استنتج اشبنجلر بأن الحضارة الغربية قد ولجت مسبقاً مراحل متقدمة من الانهيار مع الأشكال الثلاثة للعدمية التي تعمل لتقويض السلطة الأبستمولوجية والتأسيس الأنطولوجي/ الوجودي.
في عام 1927 لاحظ مارتن هيدغر أن العدمية بأشكال المتعددة والخفية كانت "الحالة الطبيعية للإنسان" [سؤال الكينونة]. أما توقعات الفلاسفة الآخرين حول الصدمة العدمية قد أنذرت بالشؤم. كتب هيلموت ثيليك في محاولة لتلخيص أعراض العدمية في القرن العشرين أن "العدمية حرفياً هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن إعلانها، وبالاسم، أن العدم سيسود في النهاية وأن العالم خالٍ من المعنى" [العدمية: أصولها وطبيعتها، مع أجوبة مسيحية، 1969].
من وجهة نظر العدمي، يمكن للإنسان أن يتوصل إلى استنتاج بأن الحياة لا أخلاقية بالكامل، وهي نتيجة يعتقد ثيليك أنها تحفز النزعات الوحشية والهمجية كما حصل خلال العهد النازي المرعب. النبوءات والتوقعات الكئيبة والمظلمة للصدمة العدمية أيضاً موجودة كتاب يوجين روز "العدمية: منبع ثورة العصر الجديد" 1994. إذا أثبت انتصار العدمية _وهي جيدة في ذلك، يقول روز_ فسيتحول عالمنا إلى "عالم بارد، ولا إنساني" حيث ستسود فيه سمات "العدم، التفكك والانحلال، والسخافة".

*العدمية الوجودية
بينما العدمية غالباً ما تتم مناقشتها في سياق مصطلحات الشكية والنسبية Relativism، فقد ارتبطت معظم فترة القرن العشرين بالاعتقاد بأن الحياة خالية من المعنى والجدوى. فالعدمية الوجودية بدأت بفكرة أن العالم بلا معنى أو هدف. وبموجب هذا الظرف، فإن الوجود بنفسه _بكافة أفعاله، معاناته، ومشاعره_ فارغ وبلا أية أحاسيس.
في مقالته "الجانب المظلم: أفكار حول عبث وتفاهة الحياة" 1994 يستعرض آلان برات أن العدمية الوجودية، بشكل أو بآخر، كانت جزءاً من التراث الفكري الغربي منذ البداية. فملاحظة الشكاك "امبدوقليس" بأن "حياة الفانين بخيلة جداً وقاحلة وكأنها ليست حياة على الإطلاق"، فمثلاً، إنها تمثل نفس الشكل من التشاؤم المفرط والمرتبط بالعدمية الوجودية. في العصور القديمة، مثل هذا التشاؤم العميق ربما قد وصل قمته مع هيغيسيس. لأن الحوادث والأمور التعيسة يقول الفلاسفة_ عددها يفوق عدد الحوادث السعيدة بكثير، كما أن السعادة مستحلية، وفي النهاية هناك الانتحار. وبعد عدة قرون، خلال عصر النهضة، لخض وليم شكسبير وبشكل بليغ وجهة نظر العدمي الوجودي عندما يعرض في نهاية مسرحيته الاشمئزاز الذي شعر به ماكبث من الحياة، إذ يقول:
أخرجي أيتها الشمعة الصغيرة
ما الحياة سوى ظل يمشي، ممثل مسكين
يتهادى ويخاف ساعته على الحلبة
ثم بعد ذلك الصمت، إنها حكاية
يسردها رجل أخرق، مليء بالصخب والغضب
إلا أنها لا تدل على شيء

خلال القرن العشرين، كانت الحركة العدمية الملحدة _التي انتشرت في فرنسا خلال الأربعينات والخمسينات_ هي المسؤولة عن شيوع العدمية الوجودية في الوعي العام. جان بول سارتر (1905- 1980) يوضح معالم الحركة، "الوجود سابق على الجوهر"، وهو يحكم أي أرضية أو أساس لتأسيس ذات جوهرية أو طبيعة إنسانية. فعندما نهجر الأوهام، نكتشف أن الحياة لا شيء، وبالنسبة للوجودي، إن العدم ليس هو مصدر الحرية المطلقة فحسب، بل أيضاً الرعب والقلق الوجودي والألم العاطفي. فالعدم يكشف أن كل ذات فردية هي بمثابة كينونة مستقلة ملقية في عالم غريب وموحش، محرومة إلى الأبد من معرفة ما هو المطلوب لابتكار المعنى. إنه الموقف الذي لا يخلو من اللا معنى. ومن وجهة نظر متنورة إلى اللا معنى واللا جدوى، لاحظ ألبير كامو (1913- 1960) أن مأزق البطل سيزيف، المحكوم بالعذاب إلى الأبد، بكفاحه الأزلي، كان تعبيراً مجازياً رائعاً عن الوجود الإنساني [أسطورة سيزيف، 1942].
إن القاسم المشترك في أدب الوجوديين هو احتمال الألم العاطفي الناتج عن مجابهتنا للعدم وكفاحنا ضده، كما أنهم صرفوا طاقات هائلة في الإجابة عن السؤال حول إمكانية انتصارنا في هذا الكفاح. وقد كان جوابهم "نعم"، حيث أنهم يدعون إلى صيغة من الالتزام العاطفي والرواقية الجامدة والباردة. وعند التفكير بما حدث في السابق، كانت تلك حكاية تلونت باليأس لأنه في عالم السخف واللا جدوى ليس هناك أية دلائل أو خطوط هداية، وأي سير محدد للأحداث سيكون صعباً. الالتزام العاطفي، سواءً كان بهدف الغزو، الخلق، أو الإبداع، أو أي شيء آخر، هو نفسه بلا معنى... ويقود إلى العدمية.
كامو، على غرار الوجوديين الآخرين، كان مقتنعاً بأن العدمية كانت هي المشكلة الأكثر إزعاجاً في القرن العشرين. بالرغم من أنه يقول أن الأفراد بإمكانهم احتمال تأثيراتها الآكالة، إلا أن عمله الأشهر يفشي الصعوبة الاستثنائية التي واجهها أثناء محاولته بناء قضية مقنعة.
• ففي روايته "الغريب 1942" على سبيل المثال، رفض ميرسو الافتراضات الوجودية التي يعتمد عليها الضعفاء والسذج. وقبل لحظة من موعد إعدامه بتهمة ارتكابه جريمة بدون مسوغ، يكتشف أن الحياة _مجرد الحياة_ هي سبب كاف لأن يحياها، المبرر الوحيد... على أية حال، حيث أنه في هذا السياق يبدو السبب مقنعاً تماماً.
• في مسرحية "كاليجولا 1944" يحاول الإمبراطور المجنون الهروب من المأزق الإنساني عن طريق الهبوط بإنسانيته وحيونة نفسه بأفعال العنف الخالية من المشاعر، التقصيرات، والترتيبات السرية لعملية اغتياله الخاص.
• في روايته "الطاعون 1947" يستعرض كامو تفاهة الحياة واللا جدوى من أن يبذل الإنسان جهده لتحسين وضع العالم.
• وفي روايته الأخيرة القصيرة والساخرة "السقوط 1956" يشير كامو إلى أن كل إنسان يداه ملطختان بالدماء لأننا جميعنا مسؤولين عن جعل الحالة تغدو أسوأ مما كانت عليه من قبل بسبب أعمالنا الفارغة وكسلنا وتقاعسنا على حد سواء.
في هذه الأعمال في أعمال المفكرين الوجوديين الأخرى، غالباً ما يترك الإنسان وفي داخله انطباع أن العيش بشكل أصيل مع عبثية الحياة هو أمر مستحيل تماماً.
كان كامو يدرك مخاطر تعريف الوجود من دون معنى، وأنه في مقالته الفلسفية "المتمرد 1951" يواجه مشكلة العدمية بشكل مباشر. ففيها يصف كيف أن الانهيار الميتافيزيقي غالباً ما ينتهي إلى إنكار تام وانتصار العدمية، المتميزة بالكراهية العميقة، الدمار الباثولوجي، وحالات العنف والموت التي لا تعد ولا تحصى.

* الأنتي تأسيسية والعدمية
في أواخر القرن العشرين، انتحلت العدمية صيغتين مختلفتين: الصيغة الأولى، اعتاد العدمي على تصوير الرجل ما بعد الحداثي، الممتثل الحيواني، المغترب، اللا مبال، المرتبك، موجهاً الطاقة النفسية إلى النزعة النرجسية اللذيذة أو إلى حالة امتعاض واشمئزاز عميق غالباً ما ينفجر بغضب. وهذا المنور مشتق من انعكاسات الوجوديين عن العدمية المعراة من أية توقعات متفائلة، مفسحةً المجال لاختبار المرض، الانحطاط، والتفكك.
في دراسته التي أجراها عن اللا جدوى والعبث meaninglessness، يكتب دونالد كروسبي أن المصدر الأساسي للعدمية المعاصرة ينبع من الالتزام بالانفتاح الثقافي الصادق. "ما أن تبدأ بالحركة، حتى تنتهي عملية التساؤل إلى نهاية واحدة، تعرية الإيمان على حقيقته، ثم الاقتناع والانهيار إلى اليأس" [طيف العبث،1988]. عندما يمتد التساؤل الصادق إلى منطقة القناعات والعقائد الأخلاقية والاتفاق الاجتماعي، فإن ذلك يثبت القوى الرائجة والمميتة التي تدمر الحضارة في نهاية الأمر. قام مايكل نوفاك مؤخراً بتعديل تجربة العدم، حيث أنه ينقل لنا قصة مشابهة. فكلا الدراستين هما استجابة لنتائج الوجوديين الكئيبة التي تعود إلى بدايات القرن. وكلتاهما تناقشان بطريقة متفائلة سبل الخروج من الهاوية عن طريق تركيز النتائج الإيجابية التي يكشفها العدم، كالحرية، والإمكانيات الخلاقة. فنوفاك على سبيل المثال، كيف أننا ومنذ الحرب العالمية الثانية كنا نعمل جاهدين "للخروج من العدمية" من أجل بناء حضارة إنسانية جديدة.
بالمقارنة مع الجهود المبذولة للتغلب على النزعة العدمية التي تجذرت في النفس الإنسانية كما أسلفنا سابقاً هو الاستجابة ما بعد الحداثية الاستثنائية التي ارتبطت بالاتجاه الأنتي تأسيسي الحالي. فالأزمة الفلسفية، والأخلاقية، والفكرية للعدمية التي أقلقت الفلاسفة المعاصرين قرابة قرن كامل فسحت المجال أمام العقل للإزعاج اللطيف أو أهم من ذلك، قبولاً مبهجاً لللا جدوى.
يصور الفيلسوف الفرنسي جان فرانسيس لوتار ما بعد الحداثة "شكوكية تجاه ما بعد السرد"، كافة تلك الأسس المحرجة التي اعتمدنا عليها لفهم العالم وطبيعته. هذه النزعة الشكية المتطرفة قد قوضت الأهرام الأخلاقية والفكرية وجعلت طلب الحقيقة _المتعالية أو الثقافة_ أمرٌ صعب. فمفكري الأنتي تأسيسيون ما بعد الحداثيون، دخلوا متاهة النسبية، يرفضون المعرفة كعلائقية أو كحقيقة عابرة، أو أنها أصيلة فقط ريثما يأتي شيء أكثر ملائمة وصلاحية لاستبدالها به. (وهذا يذكرنا بفكرة بوليم جيمس عن "قيمة النقد").
الناقد جاك دريدا على سبيل المثال، يؤكد بأن الإنسان لا يمكن أن يكون متأكداً بأن معرفته تتطابق مع الواقع. بما أن الكائنات البشرية لا تشارك سوى في جزء ضئيل جداً من الكل، فهم [أي البشر] غير قادرين على التيقن من أي شيء، والكليات absolutes ما هي إلا "أشكال وتصورات خيالية".
الأنتي تأسيسي الأمريكي ريتشارد رورتي يصل إلى نقطة مشابهة: "لا شيء يحبط ممارساتنا ونشاطاتنا، لا شيء يشرّعها، لا شيء يظهر بأنها على اتصال بالماهية الحقيقية للأشياء" [من المنطق إلى اللغة، 1986]. هذه النهاية الأبستمولوجية المسدودة، تقود حتماً نحو العدمية. "عندما نتواجه مع اللا إنساني، اللا لغوي، فنحن لم نعد نملك القدرة على إدراك المعاناة والألم" [المعاناة، السخرية، والتضامن، 1989]. وبالمقارنة مع مخاوف نيتشه وقلق الوجوديين، تصبح العدمية بالنسبة للأنتي تأسيسيين مجرد سمة أخرى من سمات بيئتنا المعاصرة.
في كتابها "تتفيه العدمية 1992" تناقش كارين كار الردود الأنتي تأسيسية على العدمية. وبالرغم من أنها لا تزال تشعل النار في النسبية المدمرة وتخرّب الأدوات الانتقادية، تعلن العدمية "المتفائلة" انتصارها، متميزة بالقبول السهل لللا جدوى. وتستنتج كار أن مثل هذا التقدم مباغت وينذر بشيء ما. فإذا قبلنا أن كل المفاهيم غير ملزمة على حد سواء، عندها سيحدد الغرور الفكري والأخلاقي أي المفاهيم لها الأولية. ما زال هناك الأسوأ، إن تتفيه العدمية يخلق بيئة حيث يمكن للأفكار أن تفرض بالقوة وبمقاومة أقل، القوة الخام لوحدها تحدد الأهرام الفكرية والأخلاقية. وهذه نتيجة تنسجم بشكل لطيف مع النتيجة التي توصل إليها نيتشه، الذي أشار إلى أن كافة التفسيرات التي تفسر العالم هي ببساطة ظهورات لإرادة القوة.

ختاماً، لقد مضى قرن كامل منذ أن استكشف نيتشه العدمية وانعكاساتها على الحضارة. وكما تنبأ، إن الصدمة العدمية على ثقافة وقيم القرن العشرين كانت عامة وشاملة، فمضمونها الرؤيوي التدميري ينتج مزاج الغم ومقدار كبير من القلق، الغضب، والإرهاب. والأمر المضحك أن نيتشه بنفسه، الشكاك المتطرف الشغوف باللغة، والمعرفة، والحقيقة، استحق العديد من سمات المرحلة ما بعد الحداثية. ومن المفيد ملاحظة أنه آمن بأننا نستطيع في النهاية _وبثمن باهظ جداً_ أن نجتاز مرحلة العدمية. وإذا نجحنا في عبور مرحلة دمار كافة تفسيرات العالم، ربما سنكتشف عندها المسار الصحيح للجنس البشري:
(( أنا أمجّد، ولست أبشر، بمجيء العدمية. وأعتقد أنها واحدة من أعظم الأزمات، لحظة من الانعكاس الذاتي الأعمق للإنسانية. وساء تعافى الإنسان منها، أم أصبح سيد هذه الأزمة، فهذا اختبار لقوته... إن الأمر محتمل...)) [الأعمال الكاملة، المجلد الثالث]

إعداد:إبراهيم جركس
الحوار المتمدن-العدد: 2835 - 2009 / 11 / 20 - 03:44
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع

Admin
Admin

عدد المساهمات : 2320
تاريخ التسجيل : 05/03/2012

http://alhoriyatmaroc.worldgoo.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى